” صورة من إشكالية العلاقة بين الكورد والعرب “

آراء وقضايا 18 يناير 2016 0
” صورة من إشكالية العلاقة بين الكورد والعرب “
+ = -

أحمد قاسم /

.

 أعتقد أن الكورد ليسوا بحاجة لأن يؤدوا القسم أمام العرب على أنهم لا يريدون الإنفصال في الوقت الراهن على أقل تقدير.. علماً بأن من حق الكورد وحسب الشرائع الوضعية والسماوية من حقهم إنشاء كيان لهم على أرضهم التاريخية لطالما العقود العشرة التي مرت على الشعبين العربي والكوردي لم تنتج نوعاً من الإنسجام والتفاهم على الحقوق, بل أنتجت تلك العقود عقلية إستعلائية لدى العرب على أنهم يملكون السلطة مرة والأغلبية السكانية, وأن لغتهم لغة الإسلام , وبالتالي من حقهم أن يحكموا كأسياد, أما غيرهم يجب أن يكون لهم مكان الرعية يعيشون تحت رحمة السلطان..

.

فإن شاء فاليرحم وإن شاء فاليعاقب كونه” خليف الله على الأرض.” على الأقل, خلال العقود التي عشتها مواكباً العمل والنضال السياسي الكوردي, وكوني عضواً في حزب عمره تجاوز الثامنة وخمسون عاماً, ومنذ تأسيسه إلى اليوم يناضل من أجل ” الديمقراطية لسوريا والحقوق القومية المشروعة لكورد سوريا ” وذلك ضمن إطار وحدة سوريا أرضاً وشعباً.

.

ولم ألمس يوماً على أن هذا الشعار ينطلق من منطلق تكتيكي, و أن ( ما وراء الكُمِ) شيء آخر كما يطلقونه إخوتنا العرب السوريين, بغض النظر عن ما هية العلاقة بين الكورد في كوردستان العراق و العرب العراقيين. حقيقة, تعبتنا نعوت وأوصاف الحكام في سوريا ومن ورائهم العرب السوريين, بوصفهم لنا في زمن “الإشتراكية البعثية” بالرجعيين وعملاء الإمبريالية..

.

وتارة بالإنفصاليين وعملاء إسرائيل, و أحيانا ينعتوننا أهل الدين على أننا مجوس و أبناء الشيطان, كون الكورد في سوريا لهم خصوصية ثقافية فريدة تجاه الدين ( ولهذه القصة مكان آخر للتفصيل والشرح ). علماً عندما كنا نحاورهم عن الحقوق, كان جوابهم الحاضر هو ” كلنا إسلام فلا فرق بين العربي و أعجمي إلا بالتقوى “. ففي ذلك يطلبون مننا التقوى حسب تفسيرهم لماهية ” التقوى ” لكنهم هم منغمسون حتى أذنيهم في مستنقع شوفينيتهم.

.وخلال خمسة عقود من حكم البعث وإتباعه سياسة الصهر العرقي تجاه الكورد من خلال إصدار قوانين ومراسيم شوفينية وعنصرية ضد الكورد, وتنفيذ مشاريع إستثنائية بحقهم ( كحزام العربي و الإحصاء الإستثنائي ) لم نسمع يوماً صوتاً معارضاً من إخوتنا العرب السوريين ضد تلك الممارسات والإضطهاد المبرمج ضد الكورد.

.

وللحقيقة أقول: كان رد فعل الحزب الشوعي السوري كرد للجميل تجاه الكورد, كون الأحزاب الكوردية بمجملها تؤيد الخطوات الإشتراكية والأنظمة التقدمية, كان أول من أيد مشروع حزام العربي في الجزيرة, ووصفه ” بالكولوخوزات ” السورية تشبيهاً ” بالكولوخوزات ” في الإتحاد السوفياتي السابق!!! أعتقد أن موضوع الإشكالية أخذ حيزاً كبيراً من الحوار بين نخب الطرفين, إلى أن أنتج ” إعلان دمشق “, لكن ما أنتجه الإعلان بخصوص الكورد وماهية حقوق الكورد ومدى شرعيتها في وطن تم تأسيسه أو تشكيله أو ” صنعه من قبل الغير ” كان خجولاً جداً, محتوياً على كثير من الثغرات التي تسمح للطرف القوي التملص من الإلتزامات التي يجب أن يكون أساساً لتتمة بناء الثقة والإنسجام بين الطرفين, وبالتالي تثبيت أواصر الأخوة, وتمتين العلاقة بين المكونات المختلفة من أجل تأسيس ثقافة وفكر و إنتماء إلى أن نصل إلى حقيقة بناء أرضية صلبة لإنشاء شعب موحد عليه, نسميه عن حق وحقيقة ” بالشعب السوري “.

.

اليوم نحن نواجه وضعاً جديداً مع إنطلاقة ثورة الحرية والكرامة في 15\3\2011. ومنذ بداية الثورة دخلت سوريا إلى مرحلة التحرر الوطني من الإستبداد والدكتاتورية. وما تنتجه هذه الثورة من منتجات ستنعكس على حقيقة الشعب السوري بكل مكوناته, وكأننا في وضع عملية إعادة التكوين ” شعباً ووطناً “, ولكي نؤسس لحالة صحية ونحافظ على ما يجب أن تكون سوريا المستقبل وطناً للجميع من دون تمييز عرقي أو ديني, يجب علينا العودة إلى تلك الإشكاليات التي رسخها النظام بين مكونات الشعب السوري, وخاصة بين الكورد والعرب, وذلك من خلال عقد ندوات وطاولة حوارات مفتوحة بين النخب للتأكيد على الثوابت التي يمكن أن تربطنا بعلاقات وطنية من خلال التأكيد على الحقوق والواجبات تجاه الوطن, وكذلك تجاه بعضنا البعض كعقد إجتماعي نثبته فيما بعد في صياغة دستور جديد للبلاد بالتوافق بين مكونات الشعب السوري بعيداً عن تسمية ” الأقلية والأكثرية ” من خلال التأكيد على ما هية النظام الذي يجب أن تتأسس من خلاله الدولة الجديدة.

.

أما أن يتم إجترار ما كان يصف النظام ” الكورد بالإنفصاليين ” ويتصنع الجانب العربي نوعاً من الخوف على مستقبل سوريا على أنها مستهدفة من قبل جهات خارجية وبالإعتماد على “الأقليات” لتقسيمها, أعتقد أن هذه العقلية في حقيقة من أمرها هي التي تشكل الخطر على وحدة سوريا أرضاً وشعباً. كون الحجج والمبررات التي يطلقونها تجاه حقوق بقية المكونات و خصوصاً الكورد منهم, فهي ترمي في جوهرها إلى إنتاج عملية إستنساخ نظام لا يختلف عن النظام الحالي إلا تغيير الأوجه, إن لم نقل نظاماً يُبْنى على فكر طائفي و مذهبي كما يحللون و يتوقعون البعض.. عند ذلك فمن المؤكد ستكون سوريا مقسمة شعباً ووطناً.

.

لذلك أدعو القوى المؤمنة بالديمقراطية والعيش المشترك بين مكونات الشعب السوري الإسراع في تأسيس طاولة الحوار الجدي على مستقبل سوريا كوطن وكشعب, و أن ترك البلاد مستباحة للفكر الشوفيني والديني سيوصلنا إلى أفق مسدودة, ومزيد من الحروب قد تطول عشرات السنين. 

  18\1\2016

آخر التحديثات